أخبار السعوديةفن وثقافة

فهد العتيق قاطع طريق روائي

.. “قاطع طريق مفقود”.. ما أن تقع عيناك على هذه الجملة فوق غلاف رواية فهد العتيق الجديدة، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت لبنان- 2024، تبدأ التساؤلات تتقاذفك عما يعنيه الكاتب بهذا التوصيف “قاطع طريق”؟ ولعل أول ما يدور في رأسك، كما قد يحدث مع البعض منَّا بحكم التكوين القرائي- وخاصة ما ترسَّب لدينا من مرحلتيِّ الطفولة والصِّبَى مع الروايات والقصص البوليسية- أنكَ أمام رواية بطلها أحد زعماء العصابات وقطّاع الطرق أوما أشبه. طالما كان دأبُ الكثيرين منا وشغلهم الشاغل هو البحث عن معنى لكل جملة نقرأها، دون البحث عن مفهومٍ. وما بين المعنى والمفهوم قد تبتعد المسافات وقد تقترب تمامًا، وتتشاكل مثل بحار واسعة متلاطمة الموجات بما يثير التفكير المستمر المنتج لأسئلة فنية تقود لتعميق الحالة لا تسطيحها بمترادف الكلام. وبالغوص في قراءة الرواية نجد أن الروائي المبدع فهد العتيق يلعب أجمل ألعابه الروائية، وأيضًا القصصية في هذه المنطقة الغائمة بين المعنى والمفهوم، بل ويمارس أيضًا هواية قطع الطريق على الشخصيات الروائية!

  ومع انهماكنا في البحث مع الراوي أوالكاتب عن قاطع الطريق المفقود المزمع، أوالذي فرضه على ذهنك العنوان، فإننا بطبيعة الحال لن نغفل محاولاتنا في استكناه طبيعته؛ أهُوَ شخص؟ أم مكان؟؛ كأن يكون مجرد تقاطع بين شارعين مثلاً؟ أوهو حالة ذهنية نتاج ذكريات وخيالات تنتاب الواحد منا، أوظرف قسري ما كالمرض وحالات الأوبئة، كما حدث في الحجر الذي استمر لعدة شهور بسبب فيروس كوفيد19 المعروف إعلاميًا بـ “كورونا”، وذاق معظم العالم كله مرارة الحبس بين أربعة جدران، لا يكلم الواحد منا أحدًا ليطمئن عليه سوى عبر الهاتف، وتطبيقات فيسبوك وواتساب وغيرهما، أما الحوار الوحيد المستمر والمكرر بين الشخص ونفسه طوال الوقت يتلخص في أسئلة بلا أي إجابة؛ متى سأصاب بهذا الوباء؟ أم هل أصبت به بالفعل ولا أدري؟! وياترى كم سيمر من الوقت حتى يكتشف أحد توقف صدري عن التنفس؟!. فهد العتيق رصد هذا بالتقاطة رائعة في حالة “صالح”.. “أحد الأطباء قال له: ربما لديك نقصًا في فيتامينات مثل “دي” أو”بي”. قال له صالح إن لديه نقصًا في أشياء كثيرة. لهذا بدأ يصمت أمام أي حوار، أو يبتسم بلا سبب. والمؤلم أنه بدأ يظن أنه ليس هو، أو تأتيه لحظة لا يعرف المكان الذي هو فيه” (ص23). وربما تتسبب أيضًا حالة فرح مفاجئ في قسوة أشدِّ؛ كما في حالة النشوة والسعادة التي انتابت “رياض” وهو في القرية داخل بيت أمه المتوفاة، بالتحديد حين جلس طويلاً في الحمام وكان يكلمها، ويخال له أنها ترد عليه، وينتهي الأمر به في المستشفى مصابًا بجلطة. وما سبق واستعرضناه- في بداية السطور- من حالات وتصورات لما يمكن أن يكون عليه قاطع الطريق مفهومًا وليس معنىً وحسب، وبلا استثناء، ولئن كانت تبدو في معظمها أنها لا تفعل فعل قاطع الطريق “بالمعنى الإجرامي” بل كثيرًا ما يكون فعلها أقسى؛ إذ أن حالة واحدة منها كفيلة بأن تقطع عليك الطريق نحو التأمل أوالاسترخاء، بل وتقطع الطريق على الحياة. أو في أسلم الأحوال تصير حدًّا بين حياتين؛ ما قبلها وما بعدها. وتتعمق تلك القسوة من أنك لا تستطيع نسبتها إلى أحد أواتهام شخص بذاته أنه السبب فيما حدث. باختصار لا تستطيع الإمساك بمجرم، وليس بإمكانك أيضًا توصيف ماحدث أنه جريمة!

ولأنه لا يوجد حدث مكتمل في الحياة؛ كثيرًا ما تفعل أي حالة يمكن توصيفها أنها مثل قاطع طريق على إشعال فقد آخر غير تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان طريقه أوما كان يفكر فيه، كأن يشعر الشخص أو يتيقن أنه كائن مؤجل، وبالمناسبة للكاتب رواية بالعنوان ذاته “كائن مؤجل”.. وفي “قاطع طريق مفقود” تستمر الحالة لدى بعض الشخوص وبالتحديد “رياض” بطل الرواية إن جاز لي اعتباره بطلاً وحيدًا دون الراوي، فهما معًا عمودا أساس في الرواية، وبدت بعض الشخصيات الأخرى كلزوم ما يلزم. يتبدى ذلك في الحوارية بين رياض وبين الراوي حين طلب منه الخروج معًا للصيد في البراري “قلت: تذهب للصيد وتترك البحث عن بيت؟! قال وهو يضحك كعادته في الكسل والتأجيل: بعدين يا رجل” (ص183)

الأماكن عند فهد العتيق وفي معظم نتاجاته القصصية والروائية تحضر ككيانات حية وليست مجرد شواهد أوجمادات ولا يتوقف وجودها عند كونها مجرد حاوية لأفاعيل البشر إن مسرَّة اوغضبًا، إن حزنًا أو فرحًا، بل أنها أيضًا تمارس هذا الفعل القاسي، أوبالتدقيق ما يفعل ذلك هو حنيننا إلى من سكنوها ومن التقيناهم فيها، وماترسب على جدرانها من ذكريات وأحداث في فترات مضت من حياتنا ولا سبيل لاستعادتها، إلا عبر هجمات التذكر ومجرفة الحنين. البيت الكبير- على سبيل المثال- أوبيت الخال عثمان، وما يسكنه من ونس الحكايات المفقود الذي يمثل قاطع طريق في الحياة ليعيدك للنوستالجيا، وربما تغرق في هويس الحنين وليس هناك من يؤنسك “بيت مثل حارة مليء بالبشر قبل أن يفقد روحه وناسه” (ص69)

وبالتالي فإن التجمعات البشرية كذلك يصيبها مثل هذا المرض أوالعَرَض، حادث ما قد يقطع طريق حياتها المستمرة الراسخة، وربما يؤدي إلى تفتيتها “القبائل بحثت عن رئيسهم قاطع الطريق المفقود ولم يجدوه” (ص71)

غير أن الأهم برأيي أن الروائي فهد العتيق هنا نجح في تنوع الأماكن وأزمنتها وأفعالها، فما يفعله بك الحنين عند رؤية بيت قديم نهارًا ارتبطت فيه بذكرى ما، ليس هو بالضرورة ما تفعله بك غرفة مظلمة في بيت الأم بعد وفاتها، أو أن تفاجأ أنك داخل حجز مظلم في مخفر الشرطة، كذلك وجودك داخل المستشفى سواءً كنت زائرًا أومريضًا مقيمًا، لا أقول يتساوى الأمر، قد يكون ظاهريًّا، بل أن السيناريوهات التي تعتمل في رأسك كزائر ستختلف اختلافًا كبيرًا عما يناوش المريض المقيم من سيناريوهات، في المعنى والأثر ..

في بيت والد رياض الذي أصر على الرجوع إليه والائتناس بما يسكنه من حكايات وحواديت بعد كل هذه الرحلة المتقلبة المضنية المتقلبة في كثير من مجالات العمل مرة محاسب ومرة بائع تمور ومرة مُصلّح للسيارات في ورشة الخال عثمان، إضافة إلى تلك التقلبات المزاجية على مستواه الشخصي، وشغفه الشديد بلعب دور قاطع الطريق، إن ماديًّا أومعنويًّا، أوكما يصفه الراوي: “كنت أريد أن أسميه الدائري، أوقاطع طريق، يقطع الشوارع والطرق بمشاريعه التجارية المؤقتة، وكراتين التمور التي يبيعها في منتصف الطريق، أويقطع الجلسات الهادئة بمقترحات ومشاوير وأسفار مفاجئة وجديدة، أويقطع الأحاديث دائمًا بأخبار مثيرة جديدة وغامضة يقطع حديثك فجأة، يرمي خبرا قويًّا وخطيرًا ثم يغادر” (ص48).

ولرياض مع الغرف المظلمة حكايات، يكفي أن أذكر لك ما ماحدث منه وله عقب ليلة الحفرة كما يسميها الراوي، إذ وجد نفسه نائمًا في تلك غرفة حجز بقسم الشرطة، وفجأة رأى آخر ينام في الركن المقابل، سأله لم يرد عليه. إلى أن يستدعيه الشرطي للتوقيع على أقواله

هذا هو رياض الذي كثيرًا ما تراه بين حين وآخر مع صديق جديد، أومع شريك مزمع في مشروع تجاري نادرًا ما يتم إلى آخره. لذلك- وبكل هذه المعطيات المتنوعة أفاعيلها- يظل رياض وحده برأيي مشروع رواية كبير، ليروي هو أفاعيله ولا يروى عنه.

أيضًا ما جرى لـ صالح في الغرفة المظلمة التي تقع في المنطقة الوسطى بين الدور الأرضي والسطح في بيتهم التاريخي القديم، وفيها عثر- حسب الراوي- على صندوق الأسرار على سكين فوقها دم متيبس.

عبد اللطيف الروائي التاجر الذي كان سابقًا رجل دين متشدد، وفجأة قطع على نفسه هذا الطريق ليلج طريقًا آخر أسلس وأقل وعورة أو إيذاءًا له أو لغيره، أو هكذا تصوَّر.. “تحدث لنفسه بفرح: هذه منطقة إبداعي الجديدة، وهذا هو عالمي، حيث أصطاد الأفكار السارحة والعابرة مثل ثعالب، أوأرانب هاربة تستحق الترويض، أُروضها وأُهذبها وأَمنحها من خيالي قبل أن أكتبها، وأضاف بحماسة: سأكون لهذه الأفكار مثل قاطع طريق مبدع وماهر في القنص” (148)

وليس الأبطال وحدهم من يمارسون دور الكائن المؤجل الملتبس بحالة قاطع الطريق في الحياة، بل أن الراوي نفسه يعترف أيضًا أنه يمارس فعل قطع الطريق ” بدأت أشعر أنني أنا الذي كنت أقطع الطريق عليه، وأفسد مسار حياته في كثير من الأوقات” (ص181) الراوي يسأل رياض عن سعاد لكنه لا يجيبه، تزوجت وتم طلاقها وأصيبت بمرض نفسي، الجميع يحكي عنها كغائبة ولم تظهر هي في أي حكاية إلا مرويًّا عنها، حتى علاقة الراوي بها لم نلمسها إلا فيما يرويه عنها من خيالات وهلاوس تخصه وحده..”أراها دائمًا خلف كل باب.. أقول لها والقلب مضيء مثل قمر: افتحي الباب.. لا أحد يرد” (ص100)

الروائي السعودي فهد العتيق

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى